06 - 09 - 2026

رشقة أفكار | ١١ عاما والشعب يسدد الفواتير.. أما يكفي؟ ومن أين يدفع المزيد؟!

رشقة أفكار | ١١ عاما والشعب يسدد الفواتير.. أما يكفي؟ ومن أين يدفع  المزيد؟!

في مصر.. قد يقيم المجلس الأعلى للثقافة، أو هيئة الكتاب أو هيئة قصور الثقافة أو ما شابه ذلك من مؤسسات ثقافية معروفة.. ندوة أو حلقة نقاشية أو يخصص يوما للثقافة والأدب.. ومن أسف أنه لا  يقبل عليها أحد.. فعدد المتحدثين غالبا أكثر من الحاضرين والمتابعين! فعاليات تستهدف جمهورا لكنها  فعليا ليست جماهيرية. مؤسسات الثقافة في مصر "مِضَلِمَة".. معتمة، وما لم تتوافر شروط معينة للجذب الجماهيري، من خلال طرح قضايا ثقافية ساخنة، أو دعوة رمز ثقافي (كما كان الحال في عصور سابقة) فضلا عن الدعاية المكثفة.. فإن مقاعدها تعاني غياب الجالسين!

في مقابل "إعتام" المنظومة الثقافية الرسمية، هناك "إضاءة" للعمل الثقافي الشعبي.. يضيء ليل المحروسة من أقصاها إلى أقصاها مجموعة من الفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، تعد من أبرز ملامح الفعل الثقافي والأدبي في بلادنا. 

خبرت هذا الأمر عن قرب، في أثناء التجربة التي خضتها منذ تأسيس "ملتقى الشربيني الثقافي" في أكتوبر ٢٠٢٠.. والذي اتخذ له مقرين أحدهما  في مدينة - ومركز -  شبين القناطر، يجتذب اغلب مبدعي القليوبية بصفة عامة - وقريتي طحانوب في القلب منه  - وكانت تعقد ندوة في هذا المقر كل أسبوعين، وأقبل عليها رموز الفكر والأدب والسياسة، من نبيل عبد الفتاح وعمار على حسن والكاتب الصحفي نبيل عمر وكتاب ونقاد وشعراء مثل الشاعر و المدقق محمد فوزي حمزة و مسعود شومان ومحمد عبد الباسط عيد ومجدي صالح رئيس نادي أدب شبين القناطر آنذاك.. إلى  النائب السابق والسياسي جمال أسعد وأمين العمل الجماهيري بحزب التجمع محمد فرج وأمين عام التجمع بالقليوبية كامل السيد والنائبة ضحى عاصي والكاتبات أمينة النقاش وبهيجة حسين والكاتب الصحفي وجدي زين الدين والقاص والباحث في الفلكلور فؤاد مرسي.. والدكتور محمد السيد إسماعيل (رحمه الله) المبدع الدؤوب وناقد الشعب .. والشاعر والباحث والذي له في كل صوامع الأدب والثقافة حفنة قمح.

في مقرنا الثاني بالقاهرة آقيمت ندوات حاشدة، طرحت قضايا عديدة، فللمرة الثانية نناقش  قضية السد الإثيوبي وتأثيره على مصر، في الأولي تحدث الدكتور أمجد العوضي (دكتوراه فى الاقتصاد السياسي وباحث اقتصادي وسياسي، وشغل منصب استشارى اقتصادى لمنطقة شرق ووسط افريقيا (كوميسا) من 2006 -2012، ورأس  مجلس  ادارة الجالية المصرية بالسودان من 210-2015). وفي الثانية طرح  الملتقى القضية على ضوء إعلان المباديء الذي تم توقيعه في ٢٠١٥ وحاضر فيها الباحث والكاتب الدكتور احمد السيد النجار.. كما طرحت قضايا  مهمة عديدة مثل دور   ثورة ٢٣ يوليو في تغيير المجتمع المصري وحاضر فيها الدكتور عاصم الدسوقي وتحدث فيها  الكاتب الصحفي نبيل عمر من منظور خاص وتساءل "هل خان المصريون جمال عبدالناصر"؟ و يعكف نبيل حاليا على تضمين فكرته  بين دفتي كتاب جديد يحمل العنوان نفسه. وعن قضية المناهج الدراسية تحدث أساطين الفكر والأدب والسياسة، من الدكتور عاصم الدسوقي والدكتور مصطفى رجب وصلاح السروي.. والشاعر الكبير والكاتب مختار عيسي، وفي الأمن القومي تحدث عبد الله السناوي ونبيل عبد الفتاح.. وعن قناة السويس تحدث الدكتور احمد زكريا الشلق.. واستضفنا أيضا الكاتب الكبير محمد سلماوي احد ابرز الداعين لمقاطعة الشركات والمؤسسات الداعمة للعدوان الصهيوني على غزة! - ليس هذا توثيقا لأعمال الملتقي الذي قدم حتى توقفه لأسباب صحية بمعدل ندوتين شهريا على مدار ٤ أعوام تقريبا (١٩٢) ندوة تقريبا -

كان يحضر إلى هذه الندوات الجزار والعامل والمتقاعد والمثقف والمبدع والأكاديمي المرموق.. وهذا نموذج على الإشعاع الثقافي الذي يضيء ليل القاهرة المعتم في ثقافته الرسمية، المشع والمشرق في ثقافته الشعبية. وهناك العديد من الأنشطة والفعاليات الثقافية المتميزة، يمكن متابعتها حاليا.. لكن اللافت هو ان قريتي طحانوب على خطى الكبار من أبنائها والذين قدموا - منذ اندلع التغيير في المجتمع المصري بقيام ثورة يوليو عام ١٩٥٢ - الكثير من الإشعاع الثقافي .. فقد خرج من هذه القرية رموز في الصحافة و الأدب والفكر والسياسة  .. وتواصل جمعية  أنشأها الشاعر الراحل عادل النحاس بإسم جمعية طحانوب للخير والتنمية هذا الفعل الثقافي في طحانوب منذ تأسست قبل بضع أعوام.

عدت إلى طحانوب والفعل الثقافي فيها منذ توقفي العام الماضي لظروف صحية، وكان مقررا ان أدير السبت الماضي ندوة عن الاقتصاد العالمي والتحديات المصرية. الندوة اشتعلت وكانت الأكثر سخونة في تاريخ الجمعية. احتشد كثيرون لحضورها، واكرموني بلقائهم وحضورهم، كما ان للزميل المؤرخ محمد الشافعي مريدون ومحبون كثر.  تحدث عن الاقتصاد الاميركي وآثاره على العالم وعلى مصر الدكتور سيد عمر، ورأي أن هذه "الأميركا" مضلله واستعمارية ومستغلة، وقدم بالأرقام والبيانات ما يؤيد فكرته، فقد نما الاقتصاد الاميركي الحديث والذي بدأ متواضعا للغاية على "قفا" الدول الاخرى، والشعوب الفقيرة التي استغلها الاميركيون بالخداع او بالحروب او بغطرسة القوة، وعن الاقتصاد المصري تحدث الدكتور امجد العوضي، والذي طرح فكرة أساسية وهي فك ارتباط مصر بالدولار والتعامل بالجنيه المصري لتقوية العملة المصرية على المدى البعيد، آخذا في الاعتبار صعوبة تطبيق فك الارتباط في البداية..  وتحدث أمين حزب  الجبهة المهندس محمد منصور، فذكر ان الصورة ليست قاتمة كما تناولتها في كلمتي.

ما الذي قلته في الندوة، وهو جوهر مقالي هنا: نحن لا نسير وفقا لسياسات مدروسة وبتخطيط جيد، ونختار وزراء مثلا ليسوا هم الأكفأ، رغم أن مصر ولادة.. نختار  محمد معيط مثلا وهو الذي قال انه يعالج مشكلات العجز في الميزانية وأعباء الديون بمزيد من الاقتراض! نحن نشيد طرقا جديدة ونترك الناس تعاني من الطرق القديمة أشد المعاناة. نحن نبني مدنا مثل مدينة دمياط للأثاث ثم نعتذر عن الاخطاء التي شابت إنشاء المدينة ولا عزاء للأموال المهدرة. نحن نبيع المؤسسات الصناعية التي نمتلكها مثل مصانع الدواء ونترك الناس فريسة للمستثمرين الذين رفعوا أسعار الدواء فوق الطاقة والقدرة حتى أننا بتنا نخشى المرض. نحن لا نلتزم بما هو مقرر في الدستور كميزانية مخصصة للتعليم والصحة، وبالتالي فإننا لم نعد نمتلك التعليم الجيد الذي كان عماد الدولة المصرية، ومنه تخرج العلماء الكبار والأفذاذ، مثل زويل ويعقوب والباز. نحن لا نهتم بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ونوقف الأصوات المعارضة إما بالتشهير وإما بالملاحقة الأمنية والسجن والغرامة. لا سبيل إلى تقدم مصر من دون حرية وديمقراطية وحقوق إنسان وحرية تداول المعلومات، وعودة الدولة إلى امتلاك وسائل الإنتاج.

هذه الرؤي التي طرحتها أثناء تقديم الندوة تحدث في صميمها وعن مثيلتها الكاتب الصحفي والمؤرخ محمد الشافعي، وصاغها بطرق أكثر نعومة، لكن بالطبع كانت هناك أصوات أخري، ارتأت تحقيق هذا النوع من التوازن في المواقف المطروحة بين المعارضة الثقيلة التي طرحتها والتأييد وحديث عن الإنجاز، والذي طرحه  الأستاذان عمرو منسي الأمين العام للجمعية ورأفت العطار رئيس مجلس الادارة، واختتم الزميل الشافعي برؤيته المهمة فعاليات ندوة، تردد فيها اسم الزعيم جمال عبدالناصر بكل حضوره الذي يكثف غيابه.

-  لا أعارض حبا في المعارضة، ولكني ممن يؤمنون بأن المعارض يشد أزر المفاوض.. لانريد إلا الإصلاح.. ومعارضتنا لا تسعى إلا إلى إيجاد مخرج لنا من النفق المظلم الذي ذهبنا اليه بمجموعة  من السياسات الخاطئة وغير المدروسة، وبعضها أشار اليه أهل الحكم في مرات عديدة ..

-  القول بأن الشعب يجب ان يكون مستعداً دائما لدفع فاتورة الإصلاح، لايستقيم، بينما لا يدفع له أحد حقوقه! فمثلما يطلب منه دفع تكلفة الخدمات التي تفرض عليه.. فإن المواطن من حقه تقاضي أجور عادلة ومرتبات تتيح له دفع فواتير الإصلاح المرهق الذي يكبل حياته منذ ١١ عاما.. وألا يعبث وزير أو وكيل وزارة أو مسؤول بالتأمينات والمعاشات بهذه الأموال، لكن الحديث عن دفع فواتير من جانب واحد فقط، يجعلنا نسأل: من أين للشعب ان يواصل كل هذا الدفع الذي لم يتوقف عنه منذ العام ٢٠١٥ وحتى اليوم ومازال يقال له ادفع ادفع ادفع؟!

هنا نقول للسياسات الخاطئة: من أين؟
----------------------
بقلم: محمود الشربيني

مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | ١١ عاما والشعب يسدد الفواتير.. أما يكفي؟ ومن أين يدفع  المزيد؟!